بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
دار الافتاء الحکمہ
فتاوى لقمانية — مكتبة الفتاوى على الإنترنت
بإشراف: الدكتور المفتي أبو طيب لقمان حفظه الله
الاستفتاء والإرشاد الشرعي — للمسلمين في أنحاء العالم
اردو | English | العربية
لماذا كلُّ هذا الصمت على مائدة الطعام؟

لماذا كلُّ هذا الصمت على مائدة الطعام؟

مساء أمس كنت مدعواً إلى العشاء في بيت صديق قديم. كانت المائدة ممدودة والطعام ساخناً، لكن المجلس كان بارداً على نحو غريب. قال المضيف مرتين: «الطعام يبرد، هيّا نبدأ» — فلم يسمعه أحد. كان أحد الحاضرين غارقاً في الأخبار، وشاب يشاهد مقطعاً واضعاً سماعاته، وزوجة المضيف جالسة إلى جوارنا تقلّب هاتفها، وفي طرف المائدة طفل صغير يعدّ لقيماته وهو يشاهد الرسوم المتحركة. كان الجميع على مائدة واحدة — وكان كل واحد بعيداً عن الآخر أميالاً.

وليست هذه حكاية ذلك البيت وحده. انظر إلى بيتك، وألقِ نظرة في قاعة أفراح، أو على طاولة في مطعم — فالمشهد واحد تقريباً في كل مكان. نحن نجلس معاً حقاً، لكننا لسنا مع بعضنا بعضاً. لم يعد المجلس مجلساً؛ صار مجرد وحداتٍ كثيرة مجتمعة في غرفة واحدة.

هل تأملت يوماً أن مائدة الطعام في بيوتنا لم تكن يوماً مجرد مكان للأكل؟ كانت برلمان الأسرة الصغير: تُروى عندها أخبار النهار، وتنكشف عندها مشكلات الأبناء، وتُسمع عندها نصائح الكبار، وغالباً ما تنتهي عندها الخصومات أيضاً. أما اليوم فالمائدة كما هي، والطعام ربما أفضل من قبل — وحدها الأحاديث اختفت. وحلّت محلها الشاشة، التي تتكلم كثيراً ولا تصغي إلى أحد.

والسؤال: ما الذي فقدناه بالضبط؟ لم نفقد الحديث فحسب، بل فقدنا بعضنا بعضاً. لا يعلم الأب ما الهمّ الذي يحمله ابنه، ولا تعلم الأم ما يدور في قلب ابنتها، وحتى السؤال عن حال الزوجة صار مرهوناً برحمة الإشعارات. العلاقات لا تنقطع بالضجيج، بل تنقطع بالصمت — وهذا الصمت قد نزل اليوم على موائدنا.

ويمكن تقدير مدى جدّية ديننا في النظر إلى هذا القطع الصامت للرحم من قول واحد: قال النبي ﷺ: «لا يدخل الجنة قاطع» (صحيح البخاري: 5984، صحيح مسلم: 2556). وليس المراد فقط من تشاجر وترك البيت؛ فالرحم تُقطع أيضاً حين يصير الجالس إلى جوارنا غريباً عنا — الجسد حاضر والقلب غائب.

والحل ليس صعباً، إنما يحتاج إلى قليل من العزم. ثلاث عادات صغيرة كفيلة بإعادة هذا المجلس. الأولى: أن يُجعل من نظام البيت وضع جميع الهواتف جانباً وقت الطعام — الدنيا تستطيع الانتظار نصف ساعة، أما البيت فلا يستطيع. الثانية: إذا جاء ضيف أو جلس أحد يحدثك فاقلِب هاتفك على وجهه؛ فشعور المقابل بأنك حاضر له بصدق هو نصف المحبة نفسه. الثالثة وهي الأهم: قبل أن يؤمر الأولاد، على الكبار أن يعملوا بأنفسهم — فالأطفال لا يتعلمون بالنصيحة بل بالاقتداء. يوم يترك الأب هاتفه عند المائدة، سيتركه الابن من تلقاء نفسه.

وتذكّر: رونق المجلس ليس بعدد أطباقه، بل بحضور أهله بعضهم لبعض. الطعام إن برد أمكن تسخينه — أما العلاقات إن بردت فيصعب إحياؤها من جديد.

— الدكتور أبو طيب لقمان (فكر لقمان)